الأربعاء، 29 فبراير، 2012

الأشكال الأدبية ( البنية والتغيير )

(هذا المقال اهداء إلى الصديقة القاصة ايثار أحمد نور فلقد كان لنقاش دار حول كتابها الفضل فى تفكيرى فى مثل هذه الدراسة )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتزاحم على الساحة الأدبية الآن نصوص تنمتى لتيار الكتابة الجديدة وفى ظنى أن هذه النصوص ولادات غير شرعية لأشكال أدبية معروفة كالقصة والرواية والشعر ونتجت تلك الولادات غير الشرعية نتيجة فهم خاطئ وتصور مغلوط من جانب كاتبيها الحقيقة الأدبية المعروفة ( النص يسبق القاعدة ) ، ويحتج كاتبى هذه النصوص بإن الكتابة عمل ابداعى يتجاوز حدود القواعد النقدية التى تؤطر للأشكال الأدبية كما ان الحقيقة التاريخية أثبتت بإن النص دائما كان يسبق القاعدة هذا بخلاف كون الأشكال الأدبية تخضع فى بينيتها الفنية للتغير والتطور وليس فى نيتى اثبات خطأ هذه النظرية فلقد ترسخت كحقيقة أدبية على مدى التاريخ فضلا عن ايمانى الشخصى بهذه الحقيقة .

ولكن ما يلفت النظر أيضا فى تاريخ الأدب العربى أن تغير البنية الشكلية للنص استتبع بالضرورة تغير المسمى الأدبى للنص وللتدليل على هذه الفرضية لنأخذ مثلا ، فالنص الحكائى أو السردى والذى وصل فى تطوره للشكل الحديث للرواية والقصة القصيرة مر على مدى تاريخه بعدد من التغيرات فمنذ ما قبل القرن الرابع الهجرى كان هناك أشكال فنية حكائية تتنقالها الألسن وكانت تسمى الأخبار والأيام ثم ومع بدء حركة التدوين الكتابى فى القرن الرابع الهجرى تناولت هذه النصوص حياة شخص بعينه وكانت تسمى السيرة ولا غرو أن الهدف التأريخى لهذيبن الشكلين لا ينقص شيئا من اتجاههم الأدبى الخالص فالأخبار والأيام والسير كانت تخضع من قبل كاتبيها لمعايير فنية أدبية وربما تجاوزت بسبب هذه المعايير الفنية الحقائق التاريخية التى تتناولها فضلا عن كونها نصوص قصد بها الإمتاع الفنى مما يؤكد انها فى نظر كاتبيها ومتلقيها كانت اعمال أدبية خالصة يؤكد ذلك ظهور شكل أدبى آخر ولكن بعيدا عن الجزيرة العربية تحديدا فى بلاد الإغريق وهو الملاحم وهى أيضا كانت تنتمى من حيث الهدف والموضوع المعالج للتاريخ ولكنها كشكل كانت تنتمى كلية للنص الأدبى ويمكننا أن نعزو اتجاه القدماء فى الكتابة الحكائية للتاريخ نظرا لكونه العامل الأساسى لصياغة حكاية أدبية فضلا عن أن البيئة المعاشة بمحدودية المكان والزمان والجغرافيا كانت تفرض مساحة معين للخيال المبدع للتحرك فيها لذا فقط كانت مساحة الخيال الفنى لا تتجاوز حدود النص التاريخى ولكنها تسمح له بمزيد من المساحة عبر اضفاء طابع أدبى وتشويقى من خلال أحداث تضاف إلى الحدث التاريخى الأصل هذه النصوص .
وفى كلامنا عن هذه النصوص التأريخية \ الأدبية لا يمكننا أن نغفل حقيقتين هامتين الحقيقة الأولى أن الإتجاه الفنى الذى سلكته هذه النصوص كان يتخذ من تيار الحكى\ السرد تيارا عاما فى الصياغة بالإضافة إلى توافر البعدين الزمانى والمكانى لهذه النصوص ولا يغفل قارئ أن هاتين الميزتين هما الركيزتان الأساسيتان التى انبنى عليهما النص الحكائى الحديث من رواية أو قصة مما ينقلنا إلى اثبات الحقيقة الثانية وهى ان تلك الأشكال القديمة ( الأخبار والسير والملاحم ) قد مثلت الرافد التاريخى الذى نشأ من خلاله الفن الروائى كصورة طبيعية للتطور الأدبى ومما يلفت النظر فى هذه النقطة أن البنية الفنية الأساسية التى انبنت عليها هذه الفنون _ والتى أهلتها لتكون أشكالا متوازية فنيا _ هى الحقيقتان اللتان قد أشرت إليهما سابقا وهما اعتمادها على تيار الحكى \ السرد كشكل صياغى واعتمادهما على البعدين الزمانى والمكانى فى البناء الفنى ، ما أريد التدليل عليه هنا ليس فقط أن هذه النصوص كانت نصوص ادبية فى المقام الأول ولكننى أحاول أن إلفت النظر أن اختلاف النص فى البناء الفنى الداخلى استتبع معه اختلاف المسمى الفنى له ، فتلك الشكال الفنية كانت تتحد فى كونها أعتمدت الحكاية فى الصياغة مع الإحتفاظ ببعد زمانى وبعد مكانى وارتكزت على التاريخ كنقطة انطلاق للنص أو هدف للكتابة ولكن أيضا لا يمكننا اغفال ان لكل شكل من هذه الأشكال مميزاته الخاصة والتى حددت بالضرورة مكانته بين الأشكال الأدبية من خلال اختلاف مسماه الفنى عن بقية الأشكال فالأخبار كعمل فنى كان يختلف من ناحية اللغة والأساليب والتى كانت تتخذ الإمتاع الفنى غاية لها فضلا عن كثرة اساليب التشويق والوعظ واتساع الجمل لتأخذ طابعا متصلا عبر اتساع النص فى مكوناته الداخلية من حوار وحدث وشخصية واتساع الأبعاد الزمانية والمكانية وتعدد الشخصيات واعطاء مساحات اكبر لعدد كبير من الشخصيات على لعب دور اساسى فى البناء فضلا عن اتخاذة للجماعة أو الحدث نفسه مدارا يصاغ النص لأجله اما السيرة فكانت تختلف أيضا عن طريق استخدام اساليب ولغة أكثر تعبيرا عن الحقيقة المراد اثباتها فضلا عن اعتمادها على شخص واحد أو جماعة واحدة كمدار يصاغ النص حوله والتركيز المكثف على هذا الشخص أو هذه الجماعة .اما الملحمة كنص أدبى فكان ارتكازها الفنى على الحدث والشخص فى ذات الوقت واستخدامها للغة أكثر تشويقا واستغراقا فى الأداء الفنى المؤثر داخليا على المتلقى بغرض التأثير النفسى على المتلقى والإكثار من جانب الخيال فى صياغة واختلاق احداث تؤكد على الهدف منها .
هذه الأختلافات الفنية بين هذه الأشكال سمحت بل وأكدت على ضرورة اختلاف المسمى الفنى للأشكال الأدبية المنتجة .
والحال لا يختلف كثيرا فيما يتعلق ببقية الأشكال الفنية .....
والغرض المراد من البحث التأكيد على أن الشكل الأدبى حينما يخضع فى تطوره إلى تغييرات فارقة فى بنيته الداخلية يستتبع بالضرورة تغيير المسمى الفنى للنص فضلا عن كون النص الأدبى يخضع بشكل ما إلى ركيزة اساس لا ينبغى اغفالها أو تجاوزها ليكون مسموحا بعدها انتمائه لشكل معين وليست هذه دعوة لإطلاق مسميات مختلفة على تلك النصوص التى اختلفت شكليا فالتغيير كما قلنا وكما مثلنا لابد وأن لا يتعدى نقطة هامة تكون الكيزة الأساسية التى ينبنى عليها الشكل( فى النموذج الحكائى كانت الاعتماد على تيار الحكى \ السرد والتوغل فى البعدين الزمانى والمكانى ) فبغير هذين العاملين لا يمكننا ايجاد نص حكائى واذا كان النص كذلك فهل يصح أن نطلق عليه قصة مثلا أو رواية أو ملحمة أو سيرة أو اخبار أو يوميات أو أدب سيرة ذاتية أو أدب رحلات .........
سنناقش هذه النقطة فى الجزء التالى من هذه الدراسة والتى ستتناول الأشكال الأدبية الناشئة حديثا والتى تنتمى لتيار الحكى

هناك 6 تعليقات:

شمس النهار يقول...

دراسة لطيفة واهم مافيها انها سهلة العبارات
يعني مش مكلكعة سهل علي الغير متخصص ان يفهمها
وفي اعتقادي الدراسة اللي يفهمها العامة من غير المتخصصين مهمه جداااا
ليستفيد اكبر عدد ممكن من معلومات تكاد تكون مبهمه عليهم لكونهم غير متخصصين تندرج تحت المعلومات العامة والتثقيف

عرفة فاروق عبد لله يقول...

شمس

سعيد انها فادتك وانا بحاول بردو افهم قبل ما افهم غيرى

منجي باكير يقول...

أول زيارة لهذه الواحة ...

تقديري لاهتمامك و جميل حرفك

سعيا منها لتطوير النقاش و الاستفادة من المدونين العرب ، مدونة الزمن الجميل تدعوك للزيارة و التفاعل !!!

لبنى أحمد نور يقول...

"الشكل الأدبى حينما يخضع فى تطوره إلى تغييرات فارقة فى بنيته الداخلية يستتبع بالضرورة تغيير المسمى الفنى للنص"

أتفق تماما

عرفة فاروق عبد لله يقول...

استاذ منجى

نورت الواحة وطلبك تشريف

عرفة فاروق عبد لله يقول...

لبنى

الاتفاق فى نقطة لا يستتبع بالضرورة الاتفاق فى بقية النقاط

كنت اطمع فى مزيد من النقاش منك خصيصا